فصل: الخبر عن تظاهر ابن الأحمر والطاغية على منع السلطان أبي يوسف

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن اختطاط البلد الجديد بفاس وما كان على تفيئة ذلك من الأحداث

لما قفل أمير المسلمين من غزاته الجهادية وتم صنع الله لديه في ظهور الإسلام على يده واعتزاز أهل الأندلس بفيئته راح بالمغرب إلى نعمة أخرى من ظهور أوليائه وحسم أدواء الفساد في دولته شفعت مواهب السعادة وأكملت عوائد الصنع‏.‏وذلك أن صبابة بني عبد المؤمن وفلهم لما فروا من مراكش عند الفتح لحقوا بجبل تينملل جرثومة أمرهم ومنبعث دعوتهم وملاحد خلفائهم وحضرة سلفهم ودار إمامهم ومسجد مهديهم‏.‏كانوا يعكفون عليه متيمنين بطيره ملتمسين بركة زيارته‏.‏ويقدمون ذلك أمام غزولتهم قربة بين يدي أعمالهم يعتدونها من صالح مساعيهم‏.‏فلما خلص الفل إليه اعتصموا بمعقله وأووا إلى وكونه ونصبوا للقيام بأمرهم عيصاً من أعياص خلفائهم بني عبد المؤمن ضعيف المنية خاسر الصفقة من مواهب الحظ وهو إسحاق أخو عمر المرتضى‏.‏وبايعوه سنة تسع وستين يرجون منه رجع الكرة وإدالة الدولة‏.‏وكان المتولي لكبر ذلك وزير دولتهم ابن عطوش‏.‏ولما عقد السلطان يعقوب بن عبد الحق لمحمد بن علي بن محلى على أعمال مراكش لم يقدم عملاً على محاربتهم وتخذيل الناس عنهم واستمالة أشياعهم‏.‏وجمعوا له سنة أربع وسبعين على غرة ظنوها فأوقع بهم وفل من غربهم‏.‏ثم صمد إلى الجبل لشهر ربيع من سنته فافتض عذرته وفض ختامه واقتحمه عليهم عنوة بعد مداولة النزال والحرب‏.‏وهلك الوزير ابن عطوش في جوانب الملحمة وتقبض على خليفتهم المستضعف وابن عمه أبي سعيد بن السيد أبي الربيع ومن معهما من الأولياء‏.‏وجنبوا إلى مصارعهم بباب الشريعة من مراكش فضربت أعناقهم وصلبت أشلاؤهم‏.‏وكان فيمن قتل منهم كاتبه القبائلي وأولاده‏.‏وعاثت العساكر في جبل تينملل واكتسحت أمواله‏.‏وبعثرت قبور الخلفاء من بني عبد المؤمن‏.‏واستخرج شلو يوسف وابنه يعقوب المنصور فقطعت رؤوسهم‏.‏وتولى كبر ذلك أبو علي الملياني النازع إلى السلطان أبي يوسف من مليانة عش غوايته وموطن انتزائه كما قدمناه‏.‏وكان السلطان أقطعه بلد أغمات إكراماً لوفادته فحضر هذه الغزاة في جملة العساكر‏.‏ورأى أن قد شفا نفسه بإخراج هؤلاء الخلفاء من أرماسهم والعيث بأشلائهم لما نقم منه الموحدون‏.‏وأزعجوه من قراره فنكرها السلطان لجلاله‏.‏وتجاوز عنها للملياني تأنيساً لقربته وجواره وعدها من هناته‏.‏ولما وصل أمير المسلمين إلى حضرته من غزاة الجهاد ترادفت عليه أخبار هذه الملحمة وقطع دابر بني عبد المؤمن فتظاهر السرور لديه وارتفعت إلى الله كلمات الشكر طيبة منه‏.‏ولما سكن غرب الثوار وتمهد أمر المغرب ورأى أمير المسلمين أن أمره قد استفحل وملكه قد استوسق واتسع نطاق دولته وعظمت غاشيته وكثر وافده رأى أن يختط بلداً يتميز بسكناه في حاشيته وأهل خدمته وأوليائه الحاملين سرير ملكه‏.‏فأمر ببناء البلد الجديد لصق فاس بساحة الوادي المخترق وسطها من أعلاه وشرع في تأسيسها لثالث شوال من سنة أربع وسبعين هذه‏.‏وجمع الأيدي عليها وحشد الصناع والفعلة لبنائها‏.‏وأحضر لها الحزى والمعدلين لحركات الكواكب فاعتاموا في الطوالع النجومية ما يرضون أثره ورصدوا أوانه‏.‏وكان فيهم الإمامان أبو الحسن بن القطان وأبو عبد الله بن الحباك المقدمان في الصناعة فكمل تشييد هذه المدينة على ما رسم وكما رضي‏.‏ونزلها بحاشيته وذويه سنة أربع وسبعين كما ذكرناه‏.‏واختطوا بها الدور والمنازل وأجرى فيها المياه إلى قصوره وكانت من أعظم آثار هذه الدولة وأبقاها على الأيام‏.‏ثم أوعز بعد ذلك ببناء قصبة مدينة مكناسة فشرع في بنائها من سنته‏.‏وكان لحين إجازته البحر قافلا من غزاته لحق طلحة بن محلى بجبل أزور نازعاً إلى قبائل زناتة من صنهاجة فأغذ إليه السلطان بعساكره وأناخ عليه‏.‏واستنزله لشهر على ما سأل من الأمان والرتبة‏.‏وحسم الداء من خروجه‏.‏واستوزر صنيعته فتح الله السدراتي وأجرى له رزق الوزارة على عوائدهم‏.‏ثم بعث إلى يغمراسن كفاء هديته التي أتحفه بها بين يدي غزاته‏.‏وكان شغله عنها أمر الجهاد فبعث له فسطاطاً رائقاً كان صنع له بمراكش وحكمات مموهة بالذهب والفضة وثلاثين من البغال الفارهة ذكوراً وإناثاً بمراكبها الفارسية من السروج والنسوانية من الولايا وأحمالاً من الأديم المعروف دباغه بالشركسي إلى غير ذلك مما يباهي به ملوك المغرب وينافسون فيه‏.‏وفي سنة خمس وسبعين من بعدها أهدى له محمد بن عبد القوي أمير بني توجين وصاحب جبل وانشريش أربعة من الجياد انتقاها من خيل المغرب كافة ورأى أنها على قلة عددها أحفل

  الخبر عن إجازة أمير المسلمين ثانية وما كان فيها من الغزوان

لما قفل أمير المسلمين من غزاته الأول واستنزل الخوارج وثقف الثغور وهادى الملوك واختط المدينة لنزله كما ذكرنا ذلك كله‏.‏ثم خرج فاتح سنة ست وسبعين إلى جهة مراكش لسد ثغوره وتثقيف أطرافه‏.‏وتوغل في أرض السوس‏.‏وبعث وزيره فتح الله بالعساكر فجاس خلاله ثم انكفأ راجعاً‏.‏وخاطب قبائل المغرب كافة بالنفير إلى الجهاد فتباطأوا واستمر على تحريضهم‏.‏ونهض إلى رباط الفتح وتلوم بها في انتظار الغزاة وثبطوا فخف هو في خاصته وحاشيته‏.‏ واحتل بالفرضة من قصر المجاز‏.‏وتلاحق به الناس فأجاز البحر واحتل بطريف لآخر محرم‏.‏ثم ارتحل إلى الجزيرة ثم إلى رندة‏.‏ووافاه هناك الرئيسان أبو اسحاق بن أشقيلولة صاحب قمارش وأبو محمد صاحب مالقة للغزو معه‏.‏وارتحلوا إلى منازلة إشبيلية فعرسوا عليها يوم المولد النبوي‏.‏وكان بها ملك الجلالقة ابن أذفونش فخام عن اللقاء وبرز إلى ساحة البلد محامياً عن أهلها‏.‏ورتب أمير المسلمين مصافه وجعل ولده الأمير أبا يعقوب في المقدمة‏.‏وزحف في التعبية فأحجز العدو البلد واقتحموا أثرهم الوادي وأثخنوا فيهم‏.‏وباتت العساكر ليلتهم بجولان في متون جيادهم وقد أضرموا النيران بساحتها‏.‏وارتحل من الغد إلى أرض الشرق وبث السرايا والغوار في سائر النواحي‏.‏وأناخ بجمهور العساكر عليها فلم يزل يتقرى تلك الجهات حتى أباد عمرانها وطمس معالمها‏.‏ودخل حصن قطنيانة وحصن جليانة وحصن القليعة عنوة وأثخن بالقتل والسبي‏.‏ثم قفل بالغنائم والأنفال إلى الجزيرة لسرار شهره فأراح وقسم الغنائم في المجاهدين‏.‏ثم خرج غازياً إلى شريش منتصف رببع الآخر فنازلها وأذاقها نكال الحرب‏.‏وأفقر نواحيها وقطع أشجارها وأباد غضراءها وحرق ديارها‏.‏ونسف آثارها وأثخن فيها بالقتل والأسر‏.‏وبعث ولده الأمير أبا يعقوب في سرية من معسكره للغوار على إشبيلية وحصون الوادي فبالغ في النكاية‏.‏واكتسح حسن روطة وشلوقة ومليانة والقناطر‏.‏ثم صبح إشبيلية بغارة فاكتسحها‏.‏وانكفأ إلي أمير المسلمين فقالوا جميعاً إلى الجزيرة وأراح وقسم في المجاهدين غنائمهم‏.‏ثم ندب إلى غزو قرطبة ورغبهم في عمرانها وثروة ساكنها وخصب بلادها فأهطعوا إلى إجابته‏.‏وخاطب ابن الأحمر يستنفره‏.‏وخرج لأول جمادى من الجزيرة‏.‏ووافاه ابن الأحمر بناحية أرشدونة فكرم وصوله وشكر خفوفه إلى الجهاد وبداره‏.‏ونازلوا حصن بني بشير فدخل عنوة وقتلت المقاتلة وسبيت النساء ونقلت الأموال وخرب الحصن‏.‏ثم بث السرايا والغارات في البسائط فاكتسحها وامتلأت الأيدي‏.‏وأثرى المعسكر‏.‏وتقروا المنازل والعمران في طريقهم حتى احتلوا بساحة قرطبة فنازلوها وانحجزت حامية العدو من وراء أسوارها‏.‏وانبثت بعوث المسلمين وسراياهم في نواحيها فنسفوا آثارها وخربوا عمرانها واكتسحوا قراها وضياعها‏.‏وتردد على جهاتها فدخل حصن بركونة عنوة ثم أرجونة كذلك‏.‏وقدم بعثا إلى جيان قاسمها حظها من الخسف والدمار‏.‏وخام الطاغية عن اللقاء‏.‏وأيقن بخراب عمرانه وتلاف بلاده فجنح إلى الصلح‏.‏وخطبه من أمير المسلمين فدفعه إلى ابن الأحمر‏.‏وجعل الأمر في ذلك إليه تكرمة لمشهده ووفاء بحقه فأجابهم ابن الأحمر إليه بعد عرضه إلى أمير المسلمين والتماس إذنه فيه وإبداء ما فيه من المصلحة وجنوح أهل الأندلس إليه منذ المدة الطويلة فانعقد السلم‏.‏وقفل أمير المسلمين من غزاته وجعل طريقه على غرناطة احتفاء بالسلطان ابن الأحمر‏.‏وخلج له عن الغنائم كلها فاحتوى عليها‏.‏ودخل أمير المسلمين إلى الجزيرة في أول رجب من عام يومئذ فأراح ونظر في ترتيب المسالح على الثغور وتملك مالقة كما نذكره‏.‏

  الخبر عن تملك السلطان مدينة مالقة من يد ابن أشقيلولة

كان بنو أشقيلولة هؤلاء من رؤساء الأندلس المؤملين لمدافعة العدو وكانوا نظراء لابن الأحمر في الرياسة وهم أبو محمد عبد الله وأبو إسحاق إبراهيم ابنا أبي الحسن بن أشقيلولة‏.‏وكان أبو محمد منهم صهراً له على ابنته فكانوا له بذلك خالصة فأشركهم في أمره‏.‏واعتضد بعصابتهم وبأبيهم من قبل على مقاومة ابن هود وسائر الثوار‏.‏ختى إذا استمكن من فرصته واستوى على كرسيه استبد دونهم وأنزلهم إلى مقامات الوزراء‏.‏وعقد لأبي محمد صهره على ابنته على مدينة مالقة والغربية‏.‏وعقد لأبي لحسن صهره على أخته على وادي آش وما إليه‏.‏وعقد لابنه أبي إسحاق إبراهيم بن علي على قمارش وما إلى ذلك‏.‏ووجدوا في أنفسهم واستمر الحال على ذلك‏.‏ولما هلك الشيخ ابن الأحمر سنة إحدى وسبعين وولي ابنه محمد الفقيه سموا إلى منازعته‏.‏وأوفد أبو محمد صاحب مالقة ابنه أبا سعيد على السلطان يعقوب بن عبد الحق وهو منازل طنجة‏.‏ووفد معه أبو عبد الله بن منديل فكرم وفادتهما وأحسن موعدهما‏.‏وانكفيا راجعين فبعث الرئيس أبو محمد إلى السلطان بطاعته وبيعة أهل مالقة سنة ثلاث وسبعين وعقد له عليها‏.‏ونزع ابنه أبو سعيد فرج إلى دار الحرب‏.‏ثم رجع لسنته فقتل بمالقة‏.‏ولما أجاز السلطان إلى الأندلس إجازته الأولى سنة أربع وسبعين تلقاه أبو محمد بالجزيرة مع ابن الأحمر وفاوضهما السلطان في شؤون الجهاد وردهما إلى أعمالهما‏.‏ولما أجاز إجازته الثانية سنة ست وسبعين لقيه بالجزيرة الرئيسان ابنا أشقيلولة أبو محمد صاحب مالقة وأخوه أبو إسحاق صاحب وادي آش وقمارش فشهدا معه الغزاة‏.‏ولما قفل اعتل أبو محمد صاحب مالقة ثم هلك غرة جمادى من سنته فلحق ابنه محمد بالسلطان آخر شهر رمضان‏.‏وهو متلوم بالجزيرة منصرفه من الغزو كما ذكرناه فنزل له عن البلد ودعاه إلى احتيازها فعقد عليها لابنه أبي زيان منديل فسار إليها في بعث‏.‏وكان ابن أشقيلولة لحين فصوله إلى لقاء السلطان أمر ابن عمه محمد الأزرق بن أبي الحجاج يوسف بن الزرقاء بإخلال منازل للسلطان بالقصبة وإعدادها فتم ذلك لثلاث ليال‏.‏وضرب الأمير أبو زيان معسكره بخارجها‏.‏وأنفذ محمد بن عمران بن عبلة في رهط من رجال بني مرين إلى القصبة فنزلها وملك أمر البلد‏.‏وكان السلطان ابن الأحمر لما بلغه وفاة أبي محمد بن أشقيلولة سما أمله إلى الاستيلاء على مالقة وأن ابن أخته شيعة له‏.‏وبعث لذلك وزيره أبا سلطان عزيز الداني فوافى معسكر الأمير أبي زيان بساحتها‏.‏ورجا أن يتجافى عنها لسلطانه فأعرض عن ذلك وتجهم له‏.‏ودخل إليها لثلاث بقين من رمضان‏.‏وانقلب الداني عنها بخفي حنين‏.‏ولما قضى السلطان بالجريرة صومه ونسكه خرج إلى مالقة فوافاها سادس شوال وبرز إليه أهلها في يوم مشهود احتفلوا له احتفال أيام الزينة سروراً بمقدم السلطان ودخولهم في إيالته‏.‏وأقام فيهم إلى خاتم سنته‏.‏ثم عقد عليها لعمر بن يحيى بن محلى من صنائع دولتهم‏.‏وأنزل معه المسالح وزيان بن أبي عباد بن عبد الحق في طائفة لنظره من أبطال بني مرين‏.‏واستوصاه بمحمد بن أشقيلولة وارتحل إلى الجزيرة‏.‏ثم أجاز إلى المغرب سنة سبع وسبعين وقد اهتزت الدنيا لقدومه‏.‏وامتلأت القلوب بما كنفه الله من نصر المسلمين بالعدوة وعلو راية السلطان على كل راية‏.‏وعظمت لذلك موجدة ابن الأحمر ونشأت الفتنة كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن تظاهر ابن الأحمر والطاغية على منع السلطان أبي يوسف

من إجازة البحر وإصفاق يغمراسن بن زيان معهم من وراء البحر على الأخذ بحجزته عنهم وواقعة السلطان علي يغمراسن بخرزوزة لما أجاز أمير المسلمين إلى العدوة إجازته الأولى ولقي العدو بأستجة وقتل الله دننه بأيدي عسكره‏.‏وصنع له من الظهور والعز ما لا كفاء له ارتاب ابن الأحمر بمكانه فبدا له من ذلك ما لم يحتسب‏.‏وظن بأمير المسلمين الظنون واعترض ذكره شأن يوسف بن تاشفين والمرابطين مع ابن عباد سلطان الأندلس‏.‏وأكد ذلك عنده جنوح الرؤساء من بني أشقيلولة وغيرهم إليه وانقيادهم لأمره فغص بمكانه وحذر غوائله‏.‏وتكدر الجو بينهما‏.‏وأجاز إجازته الثانية فانقبض ابن الأحمر عن لقائه ودارت بينهما مخاطبات شعرية في معنى العتاب على ألسنة كتابهما نسردها الآن‏.‏فمن ذلك قصيدة كتبها إليه ابن الأحمر سنة أربع وسبعين بعد واقعة دننه واعتزامه على الرجوع إلى المغرب‏.‏فخاطبه بها ليلة الإقامة بالجزيرة حذراً من غائلة العدو وينحو فيها منحى الاستعطاف وهي من نظم كاتبه أبي عمر بن المرابط هل من معيني في الهوى أو منجدي‏!‏ من متهم في الأرض أو من منجد هذا الهوى داع فهل من مسعف بإجابة وإنابة أو مسعد هذي سبيل الرشد قد وضحت فهل بالعدوتين من امرىء مسترشد يرجو النجاة بجنة الفردوس أو يخشى المسير إلى الجحيم الموقد يا آمل النصر العزيز على العدى أجب الهدى تسعد به وتؤيد سر النجاء إلى النجاة مشمراً إن الهدى لهو النجاة لمن هدي يا من يقول غداً أتوب ولا غد ألديك علم أن تعيش إلى غد لا تغترر بنسيئة الأجل الذي إن لم يحن لك نقده فكأن قد سفر عليك طويلة أيامه لم تستعد لطوله فاستعدد أو ما علمت بأنه لابد من زاد لكل مسافر فتزود هذا الجهاد رئيس أعمال التقى خذ منه زادك لارتحالك تسعد هذا الرباط بأرض أندلس فرح منه لما يرضي إلاهك واغتدي وامح الخطايا بالدموع فربما محت الدموع خطية المتعمد من ذا يتوب لربه من ذنبه أو يقتدي بنبيه أو يهتدي من ذا يطهر نفسه بعزيمة مشحوذة في نصر دين محمد أتعز من أرض العدو مدائن والله في أقطارها لم يعبد وتذل أرض المسلمين وتبتلى بمثلثين سطواً بكل موحد كم جامع فيها أعيد كنيسة فأهلك عليه أسى فلا تتجلد القس والناقوس فوق مناره والخمر والخنزير وسط المسجد أسفاً عليها أقفرت صلواتها من قانتين وراكعين وسجد وتعوضت منهم بكل معاند مستكبر مذ كان لم يتشهد كم من أسير عندهم وأسيرة فكلاهما يبغي الفداء فما فدي كم من عقيلة معشر معقولة فيهم تود لو أنها في ملحد كم من وليد بينهم قد ود من ولداه ودا أنه لم يولد أفلا تذوب قلوبكم إخواننا مما دهانا من ردى أو من ردي أفلا تراعون الأذمة بيننا من حرمة ومحبة وتودد أكذا يعيث الروم في إخوانكم وسيوفكم للثأر لم تتقلد يا حسرة لحمية الإسلام قد خمدت وكانت قبل ذات توقد أين العزائم ما لها لا تنقضي هل يقطع الهندي غير مجرد أبني مرين أنتم جيراننا وأحق من في صرخة بهم ابتدي فالجار كان به يوصي المصطفى جبريل حقاً في الصحيح المسند أبني مرين والقبائل كلها في المغرب الأدنى لنا والأبعد كتب الجهاد عليكم فتبادروا منه إلى فرض الأحق الأوكد وارضوا بإحدى الحسنيين وأقرضوا حسناً تفوزوا بالحسال الخرد هذي الجنان تفتحت أبوابها والحور قاعدة لكم بالمرصد من بائع من ربه من مشتر منه الحصول على النعيم السرمد أنتم جيوش الله ملء فضائه تأسون للدين الغريب المفرد ما ذا اعتذاركم غداً لنبيكم وطريق هذا العذر غير ممهد إن قال لم فرطتم في أمتي وتركتموهم للعدو المعتدي لله لو أن العقوبة لم تخف لكفى الحيا من وجه ذاك السيد إخواننا صلوا عليه وسلموا وسلوا الشفاعة منه يوم المشهد واسعوا لنصرة دينه يسقيكم من حوضه في الحشر أعذب مورد وصدر جوابها من نظم عبد العزيز شاعر السلطان يعقوب بن عبد الحق بما نصه لبيك لا تخش اعتداء المعتدي‏.‏إلى آخرها وكذلك أجاب عنها أيضاً مالك بن المرحل بقوله شهد الإله وأنت يا أرض اشهدي‏.‏إلى آخرها‏.‏فأجابهم أبو عمر بن المرابط كاتب ابن الأحمر بقوله قل للبغاة وللغداة‏.‏الحسد‏.‏إلى آخرها‏.‏ولما أجاز السلطان يعقوب بن عبد الحق إجازته الثانية سنة ست وسبعين كما نذكره وصار ابن الأحمر إلى الاستعتاب والرضى ولقي يعقوب بن عبد الحق فأنشده كاتبه أبو عمر بن المرابط يوم اجتماعهما بقوله ‏"‏ بشرى لحرب الله والإيمان ‏"‏‏.‏إلى آخرها‏.‏ولما انقضى المجلس أمر السلطان شاعره عبد العزيز بمساجلته قصيدته فأنشدها ثاني المجلس بحضرة ابن الأحمر ونصها ‏"‏ اليوم كن في غبطة وأمان ‏"‏ إلى آخرها‏.‏ثم كان أثناء ذلك ما وقع من استيلاء السلطان يعقوب بن عبد الحق على مدينة مالقة والغربية جل عمله بعد مهلك صاحبها أبي محمد بن أشقيلولة فبرم لذلك وخيل عليه ففزع إلى مداخلة الطاغية في شأنه واتصال يده‏.‏وأن يعود إلى مكان أبيه من ولايته ليدفع به السلطان وقومه عن أرضه ويأمن معه من زوال سلطانه لما كانت كلمة الإسلام حجزاً دونه‏.‏فاهتبل الطاغية غرتها وانتكث عهد أمير المسلمين ونقض السلم ونبذ إليه العهد‏.‏وأغزى أساطيله بالجزيرة الخضراء حيث مسالح السلطان وعسكره‏.‏وأرست بالزقاق حيث فراض الجواز‏.‏وانقطع المسلمون من جنود السلطان وقومه وراء البحر ويئسوا من صريخه‏.‏وانتبذ عمر بن يحيى بن محلى عن قومه بمكان إمارته من مالقة‏.‏وكان بنو محلى هؤلاء من كبار قومهم بطوية وكانوا حلفاء بني حمامة بن محمد منذ دخولهم المغرب‏.‏وأصهر عبد الحق أبو ملاك إلى أبيهم محلى في ابنته أم اليمن فكان من ولده السلطان يعقوب بن عبد الحق‏.‏وكانت امرأة صالحة‏.‏خرجت إلى الحج سنة ثلاث وأربعين فقضت فريضة الله عليها وعادت إلى المغرب لرابعة من السنين سنة سبع وأربعين‏.‏ثم خرجت ثانية سنة اثنتين وخمسين فتطوعت بحجة أخرى‏.‏وهلكت بمصر منصرفها من تلك السنة سنة ثلاث وخمسين فكان لبني محلى أبيها مكان من الدولة ودالة على السلطان لخؤولتهم ووشايج قرابتهم وغنائهم في قومهم‏.‏وما استولى السلطان على حضرة الموحدين مراكش عقد لمحمد بن علي بن محلى على جميع أعمالها فكانت له في الاضطلاع بها مقامات محمودة‏.‏واتصلت أيام ولايته عليها من سنة ثمان وستين إلى سنة سبع وثمانين‏.‏ثم كان مهلكه أيام يوسف بن يعقوب كما نذكره‏.‏ولما نزع محمد بن أشقيلولة إلى السلطان بالجزيرة سنة ست وسبعين متجافياً له عن ولاية مالقة بعد وفاة أبيه الرئيس أبي محمد واستولى السلطان عليها واعتزم على الإجازة كما قدمناه عقد على مالقة والغربية وسائر ثغورها وأعمالها لعمر بن يحيى بن محلى‏.‏وكان أخوه طلحة بن يحيى بن محلى ذا بأس وصرامة وقوة شكيمة واعتزاز على السلطان بمكان الخؤلة‏.‏وهو الذي قتل يعقوب بن عبد الحق بغبولة سنة ثمان وستين كما قلناه وظاهر فتح الله السدراتي مولى السلطان ووزيره على قتال أبي العلا بن أبي طلحة بن أبي قريش عامل المغرب بكدية العرائش من ظاهر فاس سنة اثنتين وسبعين‏.‏ونزع سنة أربع وسبعين‏.‏إلى جبل أزور عند مرجع السلطان من إجازته الأولى فاستنزله ورجعه إلى مجلسه من جملته‏.‏ثم نزع من الجزيرة إلى غرناطة سنة ست وسبعين عند مرجع السلطان من أمر مالقة وأجاز البحر إلى بلاد الريف‏.‏ثم رجع إلى القبلة وأقام بين بني توجين‏.‏ثم أجاز إلى الأندلس سنة سبع وسبعين عندما اضطرم نار هذه الفتنة بين السلطان وبين ابن الأحمر والطاغية‏.‏واحتل أسطول النصارى بالزقاق وانقطعت عساكر السلطان وراء البحر‏.‏وأحس أخوه عمر صاحب مالقة بإظلام الجو بينه وبين السلطان بما كان من أمر أخيه طلحة من قبل‏.‏فلاطفه ابن الأحمر عند استقراره بغرناطة في مداخلة أخيه عمر في النزول عن مالقة والاعتياض عنها بشلوبانية والمنكب طعمة‏.‏وخاطبه في ذلك أخوه طلحة فأجاب‏.‏وخرج ابن الأحمر بعساكره إلى مالقة‏.‏وتقبض عمر بن محلى على زيان بن بوعياد قائد بني مرين ومحمد بن أشقيلولة‏.‏وأمكن ابن الأحمر من البلد فدخلها آخر رمضان من سنته‏.‏وأنزل ابن محلى بشلوبانية واحتمل ذخيرته وما كان السلطان ائتمنه عليه من المال والعدة الجهادية‏.‏واتصلت يد ابن الأحمر بيد الطاغية على منع أمير المسلمين من الإجازة وراسلوا يغمراسن بن زيان من وراء البحر وراسلهم في مشاقة السلطان وإفساد ثغوره وإنزال العوائق به المانعة من حركته والأخذ بأذياله عن النهوض إلى الجهاد‏.‏وأسنوا فيما بينهم الإتحاف والمهاداة‏.‏وجنب يغمراسن إلى ابن الأحمر ثلاثين من عتاق الخيل مع ثياب من عمل الصوف‏.‏وبعث إليه ابن الأحمر صحبة ابن مروان التجاني كفاء ذلك عشرة آلاف دينار فلم يرض بالمال في هديته ورده‏.‏واصطفقت أيديهم جميعاً على السلطان ورأوا أن قد بلغوا في إحكام أمرهم وسد مذاهبه إليهم‏.‏واتصل الخبر بأمير المسلمين وهو بمراكش‏.‏كان صمد إليها مرجعه من الغزو في شهر محرم فاتح سبع وسبعين لما كان من عيث العرب جشم بتامسنا وإفسادهم السابلة‏.‏فثقف أطرافها وحسم أدواءها‏.‏ولما بلغه خبر ابن محلى ومالقة ومنازلة الطاغية للجزيرة نهض لثالثة من شوال يريد طنجة‏.‏ولما انتهى إلى تامسنا وافاه الخبر بنزول الطاغية على الجزيرة وإحاطة عساكره بها سادس شوال بعد أن كانت أساطيله منازلتها منذ ربيع وأنه مشرف على التهامها‏.‏وبعثوا إليه يستعدونه فاعتزم على الرحيل‏.‏ثم اتصل به الخبر بخروج مسعود بن كانون أمير سفيان من جشم ببلاد نفيس من المصامدة خامس ذي القعدة وأن الناس اجتمعوا إليه من قومه وغيرهم‏.‏فكر إليه راجعاً وقدم بين يديه حافده تاشفين بن بو مالك ووزيره يحيى بن حازم‏.‏وجاء على ساقتهم وفروا أمام جيوشه وانتهب معسكرهم وحللهم‏.‏واستباح عرب الحارث من سفيان‏.‏ولحق مسعود بمعقل السكسيوي ونازله السلطان بعساكره أياماً‏.‏ثم سرح ابنه الأمير أبا زيان بن منديل إلى بلاد السوس لتمهيدها وتدويخ أقطارها فأوغل في ديارها وقفل إلى أبيه خاتم سنته‏.‏واتصل بالسلطان ما نال أهل الجزيرة من ضيق الحصار وشدة القتال وأعواز الأقوات وأنهم قتلوا الأصاغر من أولادهم خشية عليهم من معرة الكفر‏.‏فأهمه ذلك وأعمل النظر فيه‏.‏وعقد لولي عهده ابنه الأمير أبي يعقوب من مراكش على الغزو إليها‏.‏وأغزى الأساطيل في البحر إلى جهاد عدوهم فوصل إلى طنجة لصفر من سنة ثمان وسبعين‏.‏وأوعز إلى البلاد البحرية لإعداد الأساطيل للغزاة بسبتة وطنجة وسلا وقسم الأعطيات وتوفرت همم المسلمين على الجهاد وصدقت عزائمهم على الموت‏.‏وأبلى الفقيه أبو حاتم العزفي صاحب سبتة لما بلغه خطاب أمير المسلمين في ذلك البلاء الحسن وقام فيه المقام المحمود‏.‏واستنفر كافة أهل بلده فركبوا البحر أجمعين من المحتلم فما فوقه‏.‏ورأى ابن الأحمر ما نزل بالمسلمين في الجزيرة وإشراف الطاغية على أخذها فندم في ممالأته‏.‏ونبذ عهده وأعد أساطيل سواحله من المنكب والمرية ومالقة مدداً للمسلمين‏.‏واجتمعت الأساطيل بمرفأ سبتة تناهز السبعين قد أخذت بطرفي الزقاق في أحفل زي وأحسن قوة وأكمل عدة وأوفر عديد‏.‏وعقد لهم الأمير أبو يعقوب رايته وأقلعوا عن طنجة ثامن ربيع الأول‏.‏وانتشرت قلوعهم في البحر فأجازوه وباتوا ليلة المولد الكريم بمرقى الجبل وصبحوا العدو وأساطيلهم تناهز الأربعماية فتظاهروا في دروعهم وأسبغوا من سكتهم وأخلصوا لله عزائمهم وصدقوا مع اللة نياتهم وتنادوا بالجنة شعارهم‏.‏ووعظ وذكر خطباؤهم والتحم القتال ونزل الصبر‏.‏ولم يك إلا كلا ولا حتى نضحوا العدو بالنبل فانكشفوا وتساقطوا في العباب‏.‏واستلحمهم السيف وغشيهم اليم‏.‏وملك المسلمون أساطيلهم‏.‏ودخلوا مرمى الجزيرة وفرضتها عنوة فاختل معكسر الطاغية‏.‏ودخلهم الرعب من إجازة الأمير أبي يعقوب ومن معه من الحامية فأفرج لحينه عن البلد‏.‏وانتشر النساء والصبيان بساحته وغلبت المقاتلة كثيرا من المعسكر على مخلفهم فغنموا من الحنطة والأدم والفواكه ما ملأ أسواق البلد أياماً حتى وصلتها الميرة من النواحي‏.‏وأجاز الأمير أبو يعقوب لحينه فأرهب العدو في كل ناحية وصلى عن الغزو إلى دار الحرب شأن الفتنة مع ابن الأحمر فرأى أن يعقد مع الطاغية سلما ويصل به لمنازلة غرناطة يداً‏.‏وأجابه إلى ذلك الطاغية رهبة من بأسهم وموجدة على ابن الأحمر في مدد أهل الجزيرة‏.‏وبعث أساقفته لعقد ذلك فأجازهم الأمير أبو يعقوب إلى أبيه أمير المسلمين فغضب لها ونكرها على أبنه‏.‏وزوى عنه وجه رضاه ورجعهم إلى طاغيتهم مخفقي السعي‏.‏وأجاز أبو يعقوب ابن السلطان إلى أبيه ومعه وفد أهل الجزيرة فلقوا السلطان بمكانه من بلاد السوس‏.‏وولى عليهم ابنه أبا زيان منديل فنزل بالجزيرة وأحكم العقدة مع الطاغية‏.‏ونازل مربلة من طاعة ابن الأحمر براً وبحراً فامتنعت عليه‏.‏ورجع إلى الجزيرة وانضوى إليه أهل الحصون الغربية بطاعتهم حذراً من الطاغية فتقبلهم‏.‏ثم جاءه المدد من المغرب ونازل رندة فامتنعت‏.‏والطاغية أثناء ذلك يجوس خلال الأندلس‏.‏وتنازل ابن الأحمر بغرناطة مع بني أشقيلولة وابن الدليل‏.‏ثم راجع ابن الأحمر مسالمة بني مرين وبعث لأبي زيان ابن السلطان بالصلح‏.‏واجتمع معه بأحواز مربلة كما نذكر بعد‏.‏ولما ارتحل السلطان من معسكره على جبل السكسيوي يريد السوس‏.‏ثم أغزى العساكر ورجع من طريقه إلى مراكش‏.‏حتى إذا انقضت غزاة البربر قفل إلى فاس وبعث خطابه إلى الآفاق مستنفراً للجهاد‏.‏وفصل في رجب من سنة ثمان وسبعين حتى انتهى إلى طنجة وعاين ما اختل من أحوال المسلمين في تلك الفترة وما جرت إليه فتنة ابن الأحمر من اعتزاز الطاغية وما حدثته نفسه من التهام الجزيرة الأندلسية ومن فيها‏.‏وظاهره على ابن الأحمر منافسوه في رياسته بنو أشقيلولة فاستجره الرئيس أبو الحسن بن أبي إسحاق صاحب وادي آش ونازل معه غرناطة سنة تسع وسبعين خمسة عشر يوماً‏.‏ثم أفرجوا عنها ولقيتهم عساكر غرناطة من زناتة فعد ذلك من سنتهم‏.‏وعليهم طلحة بن محلى وتاشفين بن معط كبير تيربيغين بحصن المسلى فأظهرهم الله عليهم‏.‏وهلك من النصارى ما يناهز سبعماية من فرسانهم‏.‏واستشهد فيها من أعياص بني مرين عثمان بن محمد بن عبد الحق‏.‏واستجر الطاغية سنة ثمانين بعدها الرئيس أبو محمد عبد الله صاحب وادي آش إلى منازلة غرناطة فنازلها الطاغية وأقام عليها إماماً‏.‏ثم ارتحل وقد اعتز عليهم‏.‏وأشفق السلطان على المسلمين وعلى ما نال ابن الأحمر من خسف الطاغية فراسله في الموادعة واتفاق الكلمة وشرط عليه النزول عن مالقة‏.‏وامتنع فرجع السلطان إلى إزالة العوائق المانعة عن شأنه من الجهاد وكان من أعظمها فتنة يغمراسن‏.‏واستيقن ما دار بينه وبين ابن الأحمر والطاغية وابن أخي أدفونش من الاتصال والإصفاق فبعث إليه في تجديد الصلح والاتفاق فلج وكشف الوجه في العناد‏.‏وأعلن بما وقع بينه وبين أهل العدوة مسلمهم وكافرهم من الوصلة أنه معتزم على وصل بلاد المغرب‏.‏فصرف أمير المسلمين عزمه إلى غزو يغمراسن‏.‏وقفل إلى فاس لثلاث أشهر من نزوله بطنجة فدخلها آخر شوال‏.‏وأعاد الرسل إلى يغمراسن لإقامة الحجة عليه والتجلي بمسالمة بني توجين والتجافي عنهم لموالاتهم أمير المسلمين‏.‏فقام يغمراسن في ركائنه وقعد ولج في طغيانه‏.‏وارتحل أمير المسلمين من فاس خاتمة سنة تسع‏.‏وقدم ابنه أبا يعقوب في العساكر وأدركه بتازى‏.‏ولما انتهى إلى ملوية تلوم في انتظار العساكر‏.‏ثم ارتحل إلى نامة ثم إلى تافنا وصمد إليه يغمراسن بحشود زناتة والعرب بحللهم وكافة ناجعتهم‏.‏والتقت عيون القوم فكانت بينهم حرب‏.‏وركب على آثارهما العسكران فالتحم القتال‏.‏وكان الزحف بخرزوزة من ملعب تيفنى‏.‏ورتب أمير المسلمين مصافه وجعل كتيبته وكتيبة ابنه الأمير أبي يعقوب جناحين للعسكر‏.‏واشتد القتال سائر النهار وانكشف بنو عبد الواد عندما أراح القوم وانتهب جميع مخلفهم وما كان في معسكرهم من المتاع والكراع والسلاح والفساطيط وبات معسكر أمير المسلمين ليلتهم في صهوات خيلهم واتبعوا من الغد آثار عدوهم‏.‏واكتسحت أموال العرب الناجعة الذين كانوا مع يغمراسن وامتلات أيدي بني مرين من نعمهم وشائهم‏.‏ودخلوا بلاد يغمراسن وزناتة‏.‏ووافاه هنالك محمد بن عبد القوي أمير بني توجين لقيه بناحية القصبات وعاثوا جميعاً في بلاده نهباً وتخريباً‏.‏ثم أذن لبني توجين في اللحاق ببلادهم وأخذ هو بمخنق تلمسان متلوماً لوصول محمد بن عبد القوي وقومه إلى منجاتهم من جبل وانشريش حذراً عليهم من غائلة يغمراسن‏.‏ثم أفرج عنها وقفل إلى المغرب ودخل فاس شهر رمضان من سنة ثمانين‏.‏ثم نهض إلى مراكش فاحتل بها فاتح إحدى وثمانين بعدها‏.‏وسرح ابنه الأمير أبا يعقوب إلى السوس لتدويخ أقطاره‏.‏ووافاه بمراكش صريح الطاغية على ابنه شانجة الخارج عليه فاغتنم الفرصة في فساد بينهم لقضاء إربه من الجهاد‏.‏وارتحل مبادرا بالإجازة إلى الأندلس‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏